فصل: فَصْلٌ: شَرَائِطُ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.كِتَابُ الِاعْتِكَافِ:

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الِاعْتِكَافِ وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ صِحَّتِهِ وَفِي بَيَان رُكْنِهِ وَيَتَضَمَّنُ بَيَانَ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ وَمَا يُفْسِدُهُ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَسَدَ وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالِاعْتِكَافُ فِي الْأَصْلِ سُنَّةٌ وَإِنَّمَا يَصِيرُ وَاجِبًا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلٌ وَهُوَ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ، بِأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ، بِأَنْ يَقُولَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي فِعْلٌ، وَهُوَ الشُّرُوعُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي التَّطَوُّعَ مُلْزِمٌ عِنْدَنَا كَالنَّذْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ سُنَّةٌ، مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَعَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: عَجَبًا لِلنَّاسِ تَرَكُوا الِاعْتِكَافَ وَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَيَتْرُكُهُ وَلَمْ يَتْرُكْ الِاعْتِكَافَ مُنْذُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ إلَى أَنْ مَاتَ».
وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ دَلِيلُ كَوْنِهِ سُنَّةً فِي الْأَصْلِ وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ تَقَرُّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمُجَاوَرَةِ بَيْتِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى خِدْمَتِهِ لِطَلَبِ الرَّحْمَةِ وَطَمَعِ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ مَثَلُ الْمُعْتَكِفِ مَثَلُ الَّذِي أَلْقَى نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَغْفِرَ لِي؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِمُلَازَمَةِ الْأَمَاكِنِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ.
وَالْعَزِيمَةُ فِي الْعِبَادَاتِ الْقِيَامُ بِهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَإِنَّمَا رُخِّصَ تَرْكُهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالِاعْتِكَافِ اشْتِغَالًا بِالْعَزِيمَةِ حَتَّى لَوْ نَذَرَ بِهِ يَلْتَحِقُ بِالْعَزَائِمِ الْمُوَظَّفَةِ الَّتِي لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: شَرَائِطُ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ:

وَأَمَّا شَرَائِطُ صِحَّتِهِ فَنَوْعَانِ: نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْمُعْتَكِفِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْمُعْتَكَفِ فِيهِ.
أَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعْتَكِفِ فَمِنْهَا: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالطَّهَارَةُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَإِنَّهَا شَرْطُ الْجَوَازِ فِي نَوْعَيْ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ.
وَكَذَا الْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تُؤَدَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ.
وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ مَمْنُوعُونَ عَنْ الْمَسْجِدِ وَهَذِهِ الْعِبَادَةُ لَا تُؤَدَّى إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فَيَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ.
وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ فَيَصِحُّ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ، إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ حَقُّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى، فَإِذَا وُجِدَ الْإِذْنُ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ وَلَوْ نَذَرَ الْمَمْلُوكُ اعْتِكَافًا فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْهُ، فَإِذَا أُعْتِقَ قَضَاهُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا نَذَرَتْ فَلِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا فَإِذَا بَانَتْ قَضَتْ؛ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، وَلِلْوَلِيِّ مِلْكَ الذَّاتِ وَالْمَنْفَعَةِ فِي الْمَمْلُوكِ، وَفِي الِاعْتِكَافِ تَأْخِيرُ حَقِّهِمَا فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَكَانَ لَهُمَا الْمَنْعُ مَا دَامَا فِي مِلْكِ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى فَإِذَا بَانَتْ الْمَرْأَةُ وَأُعْتِقَ الْمَمْلُوكُ؛ لَزِمَهُمَا قَضَاؤُهُ، وَلِأَنَّ النَّذْرَ مِنْهُمَا قَدْ صَحَّ لِوُجُودِهِ مِنْ الْأَهْلِ لَكِنَّهُمَا مُنِعَا لِحَقِّ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُمَا بِالْعِتْقِ وَالْبَيْنُونَةِ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ فَيَلْزَمُهُمَا الْقَضَاءُ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَ مُكَاتَبِهِ؛ فَكَانَ كَالْحُرِّ فِي حَقِّ مَنَافِعِهِ.
وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ بِالِاعْتِكَافِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهَا بِالِاعْتِكَافِ فَقَدْ مَلَّكَهَا مَنَافِعَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي زَمَانِ الِاعْتِكَافِ، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ، فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ ذَلِكَ وَالنَّهْيَ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمَمْلُوكِ إذَا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ بِالِاعْتِكَافِ أَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا مَلَّكَهُ الْمَوْلَى مَنَافِعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا أَعَارَهُ مَنَافِعَهُ، وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْعَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ، إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ خُلْفٌ فِي الْوَعْدِ وَغُرُورٌ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: النِّيَّةُ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ.
وَمِنْهَا: الصَّوْمُ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ بِدُونِ الصَّوْمِ وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِثْلُ مَذْهَبِنَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ مَذْهَبِهِ.
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَيْسَ إلَّا اللُّبْثَ وَالْإِقَامَةَ، وَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى الصَّوْمِ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ تَبَعٌ لَهُ وَفِيهِ جَعْلُ الْمَتْبُوعِ تَبَعًا وَأَنَّهُ قَلْبُ الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ لِاعْتِكَافِ التَّطَوُّعِ.
وَكَذَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ بِدُونِهِ بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَجَبٍ فَكَمَا رَأَى الْهِلَالَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي الِاعْتِكَافِ وَلَا صَوْمَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَلَوْ كَانَ شَرْطًا؛ لَمَا جَازَ بِدُونِهِ فَضْلًا عَنْ الْوُجُوبِ إذْ الشُّرُوعُ فِي الْعِبَادَةِ بِدُونِ شَرْطِهَا لَا يَصِحُّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَصَامَ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفَ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الصَّوْمُ بِالِاعْتِكَافِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ» وَلِأَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ ثُمَّ أَحَدُ رُكْنَيْ الصَّوْمِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْجِمَاعِ شَرْطُ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ، فَكَذَا الرُّكْنُ الْآخَرُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِاسْتِوَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي كَوْنِهِ رُكْنًا لِلصَّوْمِ.
فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الرُّكْنَيْنِ شَرْطًا كَانَ الْآخَرُ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ بِمُلَازَمَةِ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ تَرْكِ قَضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَهِيَ ضَرُورَةُ الْقِوَامِ وَذَلِكَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي اللَّيَالِي، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْجِمَاعِ.
وَقَوْلُهُ الِاعْتِكَافُ لَيْسَ إلَّا اللُّبْثَ وَالْمُقَامَ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ، وَالنِّيَّةُ وَكَذَا كَوْنُ الصَّوْمِ عِبَادَةً مَقْصُودَةً بِنَفْسِهِ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِغَيْرِهِ.
أَلَّا تَرَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهِ ثُمَّ جُعِلَ شَرْطًا لِجَوَازِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ كَذَا هاهنا وَأَمَّا اعْتِكَافُ التَّطَوُّعِ فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الصَّوْمِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ اعْتَمَدَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّ فِي الِاعْتِكَافِ التَّطَوُّعِ عَنْ أَصْحَابِنَا رِوَايَتَيْنِ: فِي رِوَايَةٍ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ غَيْرُ مُقَدَّرٍ أَصْلًا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا وَالصَّوْمُ عِبَادَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِيَوْمٍ؛ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِمَا لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ فَإِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُ قَبْلَ تَمَامِهِ؛ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَجَبٍ؛ فَإِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولَ فِي الِاعْتِكَافِ فِي اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ دَخَلَتْ فِي الِاعْتِكَافِ الْمُضَافِ إلَى الشَّهْرِ لِضَرُورَةِ اسْمِ الشَّهْرِ إذْ هُوَ اسْمٌ لِلْأَيَّامِ، وَاللَّيَالِي دَخَلَتْ تَبَعًا لَا أَصْلًا وَمَقْصُودًا؛ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلْأَصْلِ، كَمَا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ اللَّيَالِي وَيَكُونُ أَوَّلُ دُخُولِهِ فِيهِ مِنْ اللَّيْلِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا.
وَأَمَّا النَّذْرُ بِاعْتِكَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّمَا يَصِحُّ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ فِي زَمَانِ الِاعْتِكَافِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لُزُومُهُ بِالْتِزَامِ الِاعْتِكَافِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَأَمَّا اعْتِكَافُ التَّطَوُّعِ فَالصَّوْمُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَحَدُ رُكْنَيْ الصَّوْمِ عَيْنًا وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْجِمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ شَرْطٌ وَاخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي اعْتِكَافِ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ أَوْ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ وَلَوْ سَاعَةً.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ؛ لَمْ يَكُنْ الصَّوْمُ شَرْطًا لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ إذْ صَوْمُ بَعْضِ الْيَوْمِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِمَا لَيْسَ مُقَدَّرًا.
وَلَمَّا كَانَ مُقَدَّرًا بِيَوْمٍ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَالصَّوْمُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لَهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا أَنَّهُ يَصِحُّ نَذْرُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وَاحِدًا بِصَوْمٍ وَالتَّعْيِينِ إلَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّيَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَطْلُعُ الْفَجْرُ وَهُوَ فِيهِ فَيَعْتَكِفُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَيَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ، وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى يَقَعَ اعْتِكَافُهُ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْيِينُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الْيَوْمَ فِي النَّذْرِ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً؛ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْطُ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ، فَاللَّيْلُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّوْمِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ دُخُولَهُ فِي الِاعْتِكَافِ تَبَعًا؛ فَالنَّذْرُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ نَوَى لَيْلَةً بِيَوْمِهَا؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الْأَصْلِ.
فَإِمَّا أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَيَحْمِلَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ.
وَجْهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: اعْتِبَارُ الْفَرْدِ بِالْجَمْعِ وَهُوَ أَنَّ ذِكْرَ اللَّيَالِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَكُونُ ذِكْرًا لِلْأَيَّامِ كَذَا ذِكْرُ اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ يَكُونُ ذِكْرًا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا إثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لَزِمَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلًا وَنَهَارًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّيْلُ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا وَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّبَعِ مَا يُشْتَرَطُ لِلْأَصْلِ وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ قَدْ أَكَلَ فِيهِ؛ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ الْوَاجِبَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الصَّوْمِ وَلَا يَصِحُّ الصَّوْمُ فِي يَوْمٍ قَدْ أَكَلَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الصَّوْمُ؛ لَمْ يَصِحَّ الِاعْتِكَافُ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمَيْنِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ؛ يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ يَوْمَيْنِ بِلَيْلَتَيْهِمَا وَتَعْيِينُ ذَلِكَ إلَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّيَ؛ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَمْكُثُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَيَوْمَهَا، ثُمَّ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ وَيَوْمَهَا إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ اللَّيْلَةُ الْأُولَى لَا تَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ وَإِنَّمَا تَدْخُلُ اللَّيْلَةُ الْمُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ.
فَعَلَى قَوْلِهِ يَدْخُلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَوْ دَخَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْيَوْمَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ إلَّا أَنَّ اللَّيْلَةَ الْمُتَخَلِّلَةَ تَدْخُلُ لِضَرُورَةِ حُصُولِ التَّتَابُعِ وَالدَّوَامِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي دُخُولِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَ الْأَيَّامَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ حَيْثُ يَدْخُلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ هُنَاكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: كُنَّا عِنْدَ فُلَانٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيُرِيدُ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَمَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي، وَمِثْلُ هَذَا الْعُرْفِ لَمْ يُوجَدْ فِي التَّثْنِيَةِ وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا الْعُرْفَ أَيْضًا ثَابِتٌ فِي التَّثْنِيَةِ كَمَا فِي الْجَمْعِ؛ يَقُولُ الرَّجُلُ: كُنَّا عِنْدَ فُلَانٍ يَوْمَيْنِ وَيُرِيدُ بِهِ يَوْمَيْنِ وَمَا بِإِزَائِهِمَا مِنْ اللَّيَالِي.
وَيَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَكِنْ تَعْيِينُ الْيَوْمَيْنِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ فِي النَّذْرِ، وَلَوْ نَوَى يَوْمَيْنِ خَاصَّةً دُونَ لَيْلَتَيْهِمَا؛ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَيَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَهُوَ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّتَابُعِ وَالْيَوْمَانِ مُتَفَرِّقَانِ لِتَخَلُّلِ اللَّيْلَةِ بَيْنَهُمَا؛ فَصَارَ الِاعْتِكَافُ هاهنا كَالصَّوْمِ فَيَدْخُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ؛ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَيَّامُ مَعَ لَيَالِيهِنَّ وَتَعْيِينُهَا إلَيْهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ صِفَةِ التَّتَابُعِ.
وَإِنْ نَوَى الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لِمَا قُلْنَا وَيَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِغَيْرِ لَيْلَةٍ وَلَهُ خِيَارُ التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ تَعَلَّقَتْ بِالْأَيَّامِ.
وَالْأَيَّامُ مُتَفَرِّقَةٌ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ إلَّا بِالشَّرْطِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَيَدْخُلُ كُلَّ يَوْمٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَخْرُجُ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَتَيْنِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ؛ يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ لَيْلَتَيْنِ مَعَ يَوْمَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: ثَلَاثَ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ اللَّيَالِي وَيَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا لَكِنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ لِمَا قُلْنَا وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَلَوْ نَوَى اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ؛ صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ وَقْتًا لِلصَّوْمِ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْأَيَّامَ إذَا ذُكِرَتْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَدْخُلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي.
وَكَذَا اللَّيَالِي إذَا ذُكِرَتْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَدْخُلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الْأَيَّامِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ: {ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} وَالْقِصَّةُ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمَّا عَبَّرَ فِي مَوْضِعٍ بِاسْمِ الْأَيَّامِ وَفِي مَوْضِعٍ بِاسْمِ اللَّيَالِي؛ دَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هُوَ وَمَا بِإِزَاءِ صَاحِبِهِ، حَتَّى أَنَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ تَكُنْ الْأَيَّامُ فِيهِ عَلَى عَدَدِ اللَّيَالِي أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالذِّكْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} وَلِلْآيَتَيْنِ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ هاهنا لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ فِيهِ كَمَا فِي اسْمِ الْجَمْعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ؛ فَهُوَ عَلَى الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مُتَتَابِعًا لَكِنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: نَوَيْت النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ؛ صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ دُونَ مَا نُقِلَ عَنْهُ بِالْعُرْفِ وَالْعُرْفُ أَيْضًا بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ بَاقٍ فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ.
ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ تَابَعَ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتَابُعِ وَكَذَا ذَاتُ الْأَيَّامِ لَا تَقْتَضِي التَّتَابُعَ لِتَخَلُّلِ مَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاعْتِكَافِ بَيْنَ كُلِّ يَوْمَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت اللَّيَالِيَ دُونَ النَّهَارِ؛ لَمْ يُعْمَلْ بِنِيَّتِهِ وَلَزِمَهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمَا نَصَّ عَلَى الْأَيَّامِ، فَإِذَا قَالَ: نَوَيْت بِهَا اللَّيَالِيَ دُونَ الْأَيَّامِ؛ فَقَدْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَقَالَ: عَنَيْت بِهِ اللَّيَالِيَ دُونَ النَّهَارِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَاللَّيَالِي فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلزَّمَانِ الَّذِي كَانَتْ الشَّمْسُ فِيهِ غَائِبَةً إلَّا أَنَّهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَتَنَاوَلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الْأَيَّامِ بِالْعُرْفِ فَإِذَا عَنَى بِهِ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَالْعُرْفُ أَيْضًا بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ بَاقٍ؛ صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِمُصَادِفَتِهَا مَحَلَّهَا.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ شَهْرٍ، أَيَّ شَهْرٍ كَانَ، مُتَتَابِعًا فِي النَّهَارِ وَاللَّيَالِي جَمِيعًا، سَوَاءٌ ذَكَرَ التَّتَابُعَ أَوْ لَا.
وَتَعْيِينُ ذَلِكَ الشَّهْرِ إلَيْهِ، فَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَتَغْرُبُ الشَّمْسُ وَهُوَ فِيهِ فَيَعْتَكِفُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا وَلَمْ يُعَيِّنْ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّتَابُعَ وَلَا نَوَاهُ؛ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ بَلْ هُوَ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ تَابَعَ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ لُزُومِ التَّتَابُعِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِذِكْرِ التَّتَابُعِ أَوْ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ.
وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ التَّتَابُعِ وَلَمْ يُنْوَ التَّتَابُعُ أَيْضًا فَيُجْرَى عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ.
وَلَنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ دَائِمَةٌ وَمَبْنَاهَا عَلَى الِاتِّصَالِ؛ لِأَنَّهُ لُبْثٌ وَإِقَامَةٌ، وَاللَّيَالِيَ قَابِلَةٌ لِلُّبْثِ؛ فلابد مِنْ التَّتَابُعِ.
وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُطْلَقًا عَنْ قَيْدِ التَّتَابُعِ لَكِنْ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِيهِ وَفِي ذَاتِهِ مَا يُوجِبُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا وَلَزِمَهُ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا غَيْرَ مُعَيِّنٍ؛ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ شَهْرًا؛ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ؛ لِأَنَّهُ أُوجِبَ مُطْلَقًا عَنْ قَيْدِ التَّتَابُعِ وَلَيْسَ مَبْنَى حُصُولِهِ عَلَى التَّتَابُعِ بَلْ عَلَى التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّ بَيْنَ كُلِّ عِبَادَتَيْنِ مِنْهُ وَقْتًا لَا يَصْلُحُ لَهَا وَهُوَ اللَّيْلُ؛ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَيْدُ التَّتَابُعِ وَلَا اقْتِضَاءُ لَفْظُهُ وَتَعْيِينُهُ؛ فَبَقِيَ لَهُ الْخِيَارُ وَلِهَذَا لَمْ يَلْزَمْ التَّتَابُعُ فِيمَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالتَّتَابُعِ مِنْ الصِّيَامِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ كَذَا هَذَا.
وَلَوْ نَوَى فِي قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ؛ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ وَيَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ شَهْرًا بِالْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِزَمَانٍ مُقَدَّرٍ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً مُرَكَّبٌ مِنْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ كَالْبَلَقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدَهُمَا؛ فَقَدْ أَرَادَ بِالِاسْمِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ وَلَا احْتَمَلَهُ فَبَطَلَ، كَمَنْ ذَكَرَ الْبَلَقَ وَعَنَى بِهِ الْبَيَاضَ دُونَ السَّوَادِ فَلَمْ تُصَادِفْ النِّيَّةُ مَحَلَّهَا فَلَغَتْ.
وَهَذَا بِخِلَافِ اسْمِ الْخَاتَمِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْحَلْقَةِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَالْفَصُّ كَالتَّابِعِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ فِيهَا زِينَةً لَهَا؛ فَكَانَ كَالْوَصْفِ لَهَا فَجَازَ أَنْ يُذْكَرَ الْخَاتَمُ وَيُرَادَ بِهِ الْحَلْقَةُ.
فَأَمَّا هاهنا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّمَانَيْنِ أَصْلٌ فَلَمْ يَنْطَلِقْ الِاسْمُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا حَيْثُ انْصَرَفَ إلَى النَّهَارِ دُونَ اللَّيَالِي؛ لِأَنَّ هُنَاكَ أَيْضًا لَا نَقُولُ: إنَّ اسْمَ الشَّهْرِ تَنَاوَلَ النَّهَارَ دُونَ اللَّيَالِي؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاسْتِحَالَةِ، بَلْ تَنَاوَلَ النَّهَارَ وَاللَّيَالِيَ جَمِيعًا؛ فَكَانَ مُضِيفًا النَّذْرَ بِالصَّوْمِ إلَى اللَّيَالِي وَالنَّهَارِ جَمِيعًا مَعًا غَيْرَ أَنَّ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِإِضَافَةِ النَّذْرِ بِالصَّوْمِ إلَيْهَا فَلَمْ تُصَادِفْ النِّيَّةُ مَحَلَّهَا فَلَغَا ذِكْرُ اللَّيَالِي وَالنَّهَارُ مَحَلٌّ لِذَلِكَ؛ فَصَحَّتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْهُودِ أَنَّ التَّصَرُّفَ الْمُصَادِفَ لِمَحَلِّهِ يَصِحُّ، وَالْمُصَادِفَ لِغَيْرِ مَحَلِّهِ يَلْغُو، فَأَمَّا فِي الِاعْتِكَافِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلٌّ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ؛ يَلْزَمُهُ كَمَا الْتَزَمَ.
وَهُوَ اعْتِكَافُ شَهْرٍ بِالْأَيَّامِ دُونَ اللَّيَالِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ؛ فَقَدْ لَغَا ذِكْرُ الشَّهْرِ بِنَصِّ كَلَامِهِ، كَمَنْ قَالَ: رَأَيْت فَرَسًا أَبْلَقَ لِلْبَيَاضِ مِنْهُ دُونَ السَّوَادِ؛ وَكَانَ هُوَ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ؛ لِأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالنَّهَارِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ اعْتِكَافٍ وَجَبَ فِي الْأَيَّامِ دُونَ اللَّيَالِيِ؛ فَصَاحِبُهُ فِيهِ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ.
وَكُلُّ اعْتِكَافٍ وَجَبَ فِي الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي جَمِيعًا: يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ شَهْرٍ يَصُومُهُ مُتَتَابِعًا.
وَلَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ رَجَبَ؛ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ يَصُومُهُ مُتَتَابِعًا، وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ؛ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا صَحَّ اعْتِكَافُهُ فِيهِ كَمَا إذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمَ رَجَبٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَجَبٍ حَتَّى مَضَى؛ يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ شَهْرٍ يَصُومُهُ مُتَتَابِعًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَضَى رَجَبٌ مِنْ غَيْرِ اعْتِكَافٍ؛ صَارَ فِي ذِمَّتِهِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَيَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ صِفَةِ التَّتَابُعِ فِيهِ كَمَا إذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ ابْتِدَاءً بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا.
وَلَوْ أَوْجَبَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَاعْتَكَفَ شَهْرًا قَبْلَهُ عَنْ نَذْرِهِ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ رَجَبًا فَاعْتَكَفَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ؛ أَجْزَأَهُ عَنْ نَذْرِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يُجْزِئُهُ.
وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي النَّذْرِ بِالصَّوْمِ فِي شَهْرٍ مُعَيَّنٍ فَصَامَ قَبْلَهُ وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ النَّذْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ؛ يَصِحُّ نَذْرُهُ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلِّهِ؛ لِوُجُودِ الِالْتِزَامِ بِالنَّذْرِ فَإِنْ صَامَ وَاعْتَكَفَ فِيهِ؛ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ لِوُجُودِ شَرْطِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ الصَّوْمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لُزُومُهُ بِالْتِزَامِهِ الِاعْتِكَافَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، إنَّمَا الشَّرْطُ وُجُودُهُ مَعَهُ كَمَنْ لَزِمَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ، وَهُوَ مُحْدِثٌ؛ يَلْزَمُهُ الطَّهَارَةُ، وَلَوْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ يَصِحُّ أَدَاءُ الظُّهْرِ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الطَّهَارَةُ وَقَدْ وُجِدَتْ كَذَا هَذَا.
وَلَوْ صَامَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَلَمْ يَعْتَكِفْ؛ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ بِصَوْمٍ آخَرَ فِي شَهْرٍ آخَرَ مُتَتَابِعًا، كَذَا ذَكَر مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ، بَلْ يَسْقُطُ نَذْرُهُ وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ نَذْرَهُ انْعَقَدَ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلصَّوْمِ.
وَقَدْ تَعَذَّرَ إبْقَاؤُهُ كَمَا انْعَقَدَ فَتَسْقُطُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْبَقَاءِ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ النَّذْرَ بِالِاعْتِكَافِ فِي رَمَضَانَ قَدْ صَحَّ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ؛ بَقِيَ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
كَمَا إذَا نَذَرَ بِالِاعْتِكَافِ فِي شَهْرٍ آخَرَ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يُؤَدِّهِ حَتَّى مَضَى الشَّهْرُ وَإِذًا بَقِيَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَلَا يَبْقَى وَاجِبًا عَلَيْهِ إلَّا بِوُجُوبِ شَرْطِ صِحَّةِ أَدَائِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ فَيَبْقَى وَاجِبًا عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ نَذْرَهُ مَا انْعَقَدَ مُوجِبًا لِلصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ؛ فَنَعَمْ لَكِنْ جَازَ أَنْ يَبْقَى مُوجِبًا لِلصَّوْمِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ لِضَرُورَةِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَدَاءِ فِي غَيْرِهِ إلَّا بِالصَّوْمِ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَيَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ فِي شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَقَدْ فَاتَهُ فَيَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا كَمَا إذَا أَوْجَبَ اعْتِكَافَ رَجَبٍ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِيهِ؛ أَنَّهُ يَقْضِيهِ فِي شَهْرٍ آخَرَ مُتَتَابِعًا، كَذَا هَذَا.
وَلَوْ لَمْ يَصُمْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَعْتَكِفْ فِيهِ؛ فَعَلَيْهِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ مُتَتَابِعًا بِصَوْمٍ، وَقَضَاءُ رَمَضَانَ فَإِنْ قَضَى صَوْمَ الشَّهْرِ مُتَتَابِعًا وَقَرَنَ بِهِ الِاعْتِكَافَ؛ جَازَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي وَجَبَ فِيهِ الِاعْتِكَافُ بَاقٍ فَيَقْضِيهِمَا جَمِيعًا يَصُومُ شَهْرًا مُتَتَابِعًا وَهَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ الصَّوْمَ لَمَّا كَانَ بَاقِيًا لَا يَسْتَدْعِي وُجُوبُ الِاعْتِكَافِ فِيهَا صَوْمًا آخَرَ؛ فَبَقِيَ وَاجِبَ الْأَدَاءِ بِعَيْنِ ذَلِكَ الصَّوْمِ كَمَا انْعَقَدَ.
وَلَوْ صَامَ وَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ الْقَابِلُ فَاعْتَكَفَ قَاضِيًا لِمَا فَاتَهُ بِصَوْمِ هَذَا الشَّهْرِ؛ لَمْ يَصِحَّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَقَاءَ وُجُوبِ الِاعْتِكَافِ يَسْتَدْعِي وُجُوبَ صَوْمٍ يَصِيرُ شَرْطًا لِأَدَائِهِ فَوَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ صَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ وَمَا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ الصَّوْمِ لَا يَتَأَدَّى بِصَوْمِ الشَّهْرِ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمَيْ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ؛ فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الصَّوْمِ وَأَنَّ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ نَذْرُهُ لَكِنْ يُقَالُ لَهُ: اقْضِ فِي يَوْمٍ آخَرَ وَيُكَفِّرُ الْيَمِينَ إنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ، وَإِنْ اعْتَكَفَ فِيهَا؛ جَازَ وَخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ وَكَانَ مُسِيئًا وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ بِالِاعْتِكَافِ فِيهَا أَصْلًا كَمَا لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ بِالصَّوْمِ فِيهَا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ لَوَازِمِ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ؛ فَكَانَ الْجَوَابُ فِي الِاعْتِكَافِ كَالْجَوَابِ فِي الصَّوْمِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُعْتَكَفِ فِيهِ: فَالْمَسْجِدُ وَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي نَوْعَيْ الِاعْتِكَافِ: الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ عَاكِفِينَ فِي الْمَسَاجِدِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَاشِرُوا الْجِمَاعَ فِي الْمَسَاجِدِ؛ لِيُنْهَوْا عَنْ الْجِمَاعِ فِيهَا فَدَلَّ أَنَّ مَكَانَ الِاعْتِكَافِ هُوَ الْمَسْجِدُ وَيَسْتَوِي فِيهِ الِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ وَالتَّطَوُّعُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ مُطْلَقٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ يُرِيدُ بِهِ الرَّجُلَ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إنَّهُ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ.
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَأَنَّهُ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ».
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» وَفِي رِوَايَةٍ: وَمَسْجِدِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ» وَالْمَرْوِيُّ أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: إنْ ثَبَتَ فَهُوَ عَلَى التَّنَاسُخِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَصَارَ مَنْسُوخًا بِدَلَالَةِ فِعْلِهِ؛ إذْ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْلُحُ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الْأَفْضَلِ كَقَوْلِهِ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» أَوْ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَكْرَهُهَا.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ إنْ ثَبَتَ فَيُحْمَلُ عَلَى الزِّيَارَةِ أَوْ عَلَى بَيَانِ الْأَفْضَلِ فَأَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ثُمَّ فِي الْمَسَاجِدِ الْعِظَامِ الَّتِي كَثُرَ أَهْلُهَا وَعَظُمَ.
أَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ مَا خَلَا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»؛ وَلِأَنَّ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، مِنْ كَوْنِ الْكَعْبَةِ فِيهِ وَلُزُومِ الطَّوَافِ بِهِ ثُمَّ بَعْدَهُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدُ أَفْضَلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدٌ أَفْضَلُ مِنْهُ ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْجَامِعُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَجْمَعِ الْمُسْلِمِينَ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ بَعْدَهُ الْمَسَاجِدُ الْكِبَارُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْجَوَامِعِ لِكَثْرَةِ أَهْلِهَا.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا لَا تَعْتَكِفُ إلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ شَاءَتْ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَمَسْجِدُ بَيْتِهَا أَفْضَلُ لَهَا مِنْ مَسْجِدِ حَيِّهَا وَمَسْجِدُ حَيِّهَا أَفْضَلُ لَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَهَذَا لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ، بَلْ يَجُوزُ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَالْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ لَا عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَهَذَا عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ قُرْبَةٌ خُصَّتْ بِالْمَسَاجِدِ بِالنَّصِّ، وَمَسْجِدُ بَيْتِهَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِلصَّلَاةِ فِي حَقِّهَا حَتَّى لَا يَثْبُتَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ هَذِهِ الْقُرْبَةِ فِيهِ وَنَحْنُ نَقُولُ: بَلْ هَذِهِ قُرْبَةٌ خُصَّتْ بِالْمَسْجِدِ لَكِنَّ مَسْجِدَ بَيْتِهَا لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّهَا فِي حَقِّ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّهَا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ لِحَاجَتِهَا إلَى إحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فَأُعْطِيَ لَهُ حُكْمُ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّهَا حَتَّى كَانَتْ صَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِ دَارِهَا وَصَلَاتُهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِ حَيِّهَا» وَإِذَا كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّهَا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْمَسْجِدِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي بَيْتِهَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُعَدُّ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ بَيْتِهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ، فَلَا يَجُوزُ اعْتِكَافُهَا فِيهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَم.